الجمعة، سبتمبر 07، 2012

أزمة السياسة والأحزاب في مصر

خلال العامين التاليين لثورة يناير تكشف واقع محبط لكل الشباب: لم يتغير شيئ! مازالت السياسة في مصر كالمعتاد: مصر دولة الحزب الواحد. طبعا اصبح تأسيس الأحزاب في مصر أسهل، لكنها -حتى الأن على الأقل- لا تعني شيئا. 

باستثناء حزب الحرية والعدالة الذي يحكم بمنطق الحزب الوطني الان، معظم الأحزاب في مصر اما تتبع رجال الأعمال اليتامى بعد حرق وحل الحزب الوطني، وهي في هذه الحالة مكتب يمثل مصالح مؤسسيه ويسعى لضمان مصالحهم الاقتصادية بالتعاون مع الفاسدين في الحكومة وبالالتفاف على القانون، او احزاب لكل رجل يظن انه يصلح لمنصب الرئيس اما لوسامته او خطبه الرنانة على طراز خطب عبد الناصر، ولدينا منها الكثير وهي خطر حقيقي على المستقبل لانها مدخل محتمل لدكتاتور جديد، واما في الحالة الأخيرة محاولة حقيقيه من الشباب لاستغلال المناخ الجديد بعد الثورة ولتغيير واقع السياسة في مصر كما في الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي او حزب الدستور. ولكنها محاولة فاشلة حتى الان.


لن ننجح ولن نتخطى المرحلة السياسية الحالية الا بفهم اسباب الفشل، اهم هذه الاسباب سبب اجتماعي، وهو انه بعد ٦٠ عام من الحكم العسكري لمصر اصبح المجتمع المصري يتكون من طبقة اجتماعية واحدة: طبقة المستهلكين. تم تدمير الطبقة الوسطى، تم تدمير الطبقة العمالية، تم تدمير القطاع الزراعي وطبقة الفلاحين، تم تدمير القطاع الصناعي الذي بدأ مع طلعت حرب وتم تدمير قطاع المشاريع الصغيرة المرتبطة بالزراعة وخصوصا بزراعة القطن كالغزل والنسيج وصناعة الزيوت والعلف من بزرة القطن، مما دمر قطاع الانتاج الحيواني.

لم يبق لدينا الا المستهلكين. واصبح "التوظيف" الثقافة الاساسية والهدف الاسمى لكل الخريجين المصريين، في اي مجال وعلى اي مستوى، اصبح التوظيف هو الهدف، فما تبقى من العمال اصبحوا موظفين، هدف ابناء الفلاحين اما التوظيف او السفر في مراكب الموت لايطاليا، المعلمون موظفون والاطباء موظفون، اعداد كبيرة من الصحفيين موظفون ومعظمهم لا يستطيع صياغة جملة ولا يملك رأي، حتى خريجي العلوم يسعون للتوظيف، لا يهم المجال، المهم التوظيف، لتبدأ بعدها مرحلة الكفاح من أجل زيادة الراتب والحوافز وتأمين صحي افضل.

حدث لمصر اسوء ما يمكن ان يحدث لدولة كثيفة السكان: انهار الانتاج وتحولنا لمستهلكين. وبالتالي تحولت ميزة مصر عن جيرانها، ثروتها البشرية، الى عبء.

كيف دمر هذا الحياة السياسية في مصر؟ الاجابة هي ان هذا هو سبب انتاج المصريين للحزب الواحد: لا توجد لدينا طبقات اجتماعية حقيقية، لدينا طبقة واحدة، وبالنتيجة حزب واحد. لا توجد طباقات مختلفة تمثلها احزاب مختلفة.

كنتيجة لهذه المشكلة الاجتماعية حاول المجتمع تلقائيا تقسيم نفسه، ليس لطبقات، وانما الى مهن وانتماءات قبلية. لذلك يتكلم مرسي في خطباته عن "عشيرته"، لذلك ينتفض سواقين الميكروباص ضد التعذيب في اقسام الشرطة، ليس بسبب تعذيب شاب مصري، وانما بسبب تعذيب سواق ميكروباص، او ينتفض الصحفيون بسبب الاعتداء على صحفي او مصور في الشارع، وهنا ايضا نرى سبب نجاح ثورة يناير، لانه ولثمان عشرة يوم سقطت كل العشائر واجتمع الشعب على هدف واحد: يسقط حسني مبارك.

نتيجة جيدة وخطيرة في نفس الوقت ترتبت على ذلك، وهي نتيجة اراها في الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي وحزب الدستور الان، وهي ان العمل الحزبي الان اصبح كعمل المؤسسات الخيرية، النزول للشارع ومحاولة مساعدة الفقراء اجتماعيا، وهو امر مهم ولكنه ليس الوظيفة الاساسية للحزب! وظيفة الحزب هي طرح الافكار لتغيير ادارة الدولة وحل المشاكل بالتشريعات والقوانين، حل مشكلة الفقر مثلا عن طريق تسهيل انشاء المشاريع الصغيرة ودعم الافكار الجديدة، لا عن طريق توزيع معونات مالية، حل مشكلة الصحة عن طريق تعديل رواتب الاطباء ودعم التكنولوجيا الطبية وبناء ومراقبة مستوى المستشفيات، لا عن طريق توزيع الدواء! ووظيفة الحزب المعارض هي دائما طرح افكاره في ادارة الدولة ومناقشة افكار الحزب الحاكم وطرح البديل في حالة فشل الحزب الحاكم.

تحولت الاحزاب لنوادِ اجتماعية للأسف لانه لا توجد آلية لدراسة المشاكل وطرح افكار مختلفة، هدف الاحزاب الان هو انتقاد الحزب المنافس ومحاولة النجاح في الانتخابات المختلفة، لكن لا توجد آلية حتى الان لجمع الاحصائات عن مختلف المشاكل لكي نعرف عن ماذا نتكلم، ولا توجد احصائات لمعرفة رأي الشارع في السياسات والشارع اصلا لا يتابع باهتمام الا الاجرائات البسيطة، لا يتابع الناس الافكار والنقاشات حتى في مسألة بأهمية الدستور الجديد للبلد، حيث وصلت مصر لمرحلة من التردي لدرجة ان يفرح المواطن برصف الطريق امام بيته او سد حفرة في الطريق، مع انها من الوظائف الأساسية للدولة!

حل مشاكل مصر السياسية يحدث بحل مشاكلها الاجتماعية والعودة للانتاج وتجاوز النقاش على البديهيات، بالقضاء على ثقافة الاستهلاك وثقافة السعي وراء احدث موديل من الموبايل او الكمبيوتر او السيارة، بان لا يصبح الحصول على وجبة طعام يوميا مشكلة لبعض المواطنين، او توصيل الكهرباء للمنازل او عدم انقطاع المياه، يجب ان نتجاوز البديهيات. للاسف اليد العليا الان هي للاخوان وهم في رأيي لا يملكون الحلول ولا حتى الرغبة في الحل، انما الرغبة في الحكم، وهي مشكلة كل الاحزاب في مصر الان وهي ما يدمر هذا البلد فعلا.

بالنسبة للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي وحزب الدستور الان، الخطوة الاولى هي بانشاء آلية لجمع الارقام والاحصائات ودراسة المشاكل، لان الارقام لا تكذب، واذا اردنا ان نقدم بديل مقنع للمواطن المصري علينا اولا ان نفهم المشاكل جيدا لكي نطرح حلولا تشريعية وادارية ناجعة.

ليست هناك تعليقات: