الاثنين، مايو 23، 2011

يوم انقسم المصريون: نعم ولا!!

المشكلة بدأت منذ باع حاكم مصر منصبه، وتخلى حكام مصر المتتابعين عن خدمة مصالح مصر والمصريين لصالح خدمة القوى والدولة المسيطرة، مشكلة ليست جديدة، وتكررت على مدار قرون عديدة، الاختلاف الوحيد دائما كان في القوة المستفيدة، من العثمانيون مروراً بالانجليز والأن الانبطاح المدمر للشرق كله لأمريكا. باع حكام مصر بلدهم بناءً على وعد باستمرار سلطتهم، ورغبة سادية في التحكم بمصائر الناس وثروات البلد بدون رقيب، وخوف من أن تزيلهم القوة العالمية من الحكم. بناءً على هذا الخوف تحكمت القوى العظمى بالحاكم وبالتالي بمصر.

لتسهيل مهمة الحاكم خلال كل هذه المراحل استخدم الحاكم نفس السلاح للتحكم بالشعب، نفس السلاح الذي تحكم به الغرب بالحاكم، سلاح الخوف، وهو للأسف نفس السلاح المستخدم في إدارة مصر حتى هذا اليوم. الخوف من الفتنة والفوضى، الخوف من المجاعة، الخوف من إفلاس خزائن الدولة وإفلاس مصر.

لكن الثورة العربية الأخيرة لم تكن ثورة لتغيير الحاكم. قد تكون دوافعها الأولى تغيير الحاكم لكن أظن أن الدافع الحقيقي هو تغيير ما يمثله الحاكم، تغيير وظيفة الحاكم ودوره وتوزيع سلطته لنخرج من شخصنة الحاكم وندخل عصر مؤسسات الحكم، التي يحدد توجهاتها الشعب. الشعب هو الضمانة الوحيدة لعدم بيع الدولة المصرية -أو العربية- للدولة الأقوى.

لذلك فإن الفكرة التي روجها الإعلام في الفترة الأخيرة بأن الثورة قد انتصرت بتنحي مبارك ثم محاكمة رموز النظام محاكمات مالية أدخلتنا في دوامات تقنية هي فكرة مضلله، لم ولن يكون هناك أبدا في التاريخ الانساني ثورة تستغرق 18 يوما!! الثورة كانت على أوضاع مازالت قائمة، على ظلم موجود حتى هذه اللحظة، على حالة امنية ازدادت سوءً الأن، وعلى تعليم وظلم اجتماعي سيستغرق تغييرهم سنوات وليس شهور.

لماذا تحكم مصر حتى اليوم باسلوب الشائعات؟ لماذا تصدر القوانين حتى اليوم بخبر في الاعلام؟ لماذا يملك من يحكم مصر في هذه المرحلة الانتقالية سلطات رئيس الجمهورية التي كانت سبب رئيسي في المشاكل التي تراكمت على مصر وأدت في النهاية الى أحوال لا يمكن السكوت عنها، ولازالت مستمرة؟

لماذا بعد كل تلك المدة من القمع والتهميش والظلم والخوف، بعد فترة طويلة من سوء تعليم وجهل سياسي يطرح استفتاء على الشعب على موضوع غير واضح وبدون حتى فرصه لنقاش مجتمعي حول نتائج أي الخياران -نعم أو لا- ؟

في رأيي ما حدث في الاستفتاء كان تزوير، لم يكن التزوير من خلال التلاعب بالأصوات وصناديق الاستفتاء كما كان يحدث بالماضي، ولكن التزوير كان في طرح الاستفتاء بعد مدة قصيرة من طرح التعديلات، بل من خلال إثارة الشائعات حول التعديلات وماذا يعني قبولها أو رفضها. التزوير بالطبع كان أيضا في السكوت عن تدخل رجال الدين في السياسة وتلاعبهم بعقول المواطنين وإدخالهم في دوامة لا علاقة لها بالاستفتاء بالأساس، دوامة خلطت بين دخول الجنة والنار بناءًا على رأي في تفصيلة صغيرة لا تستدعي الاستفتاء عليها بالأساس.

خلال الفترة الانتقالية بعد تنحي مبارك صدرت قوانين وقرارات كثيرة مهمة أهمية مواد الدستور المستفتى عليها بدون استفتاءات، وبدون حتى طرحها على العامة للنقاش العلني. وهذا بالاضافة الى طريقة إدارة الاستفتاء يؤشر الى انتكاسة كبيرة ودفع لمصر باتجاه العودة الى عصر "قرر سيادة الرئيس".

ثم التعامل الأمني الرخو مع مسألة في غاية الأهمية والخطورة في لحظة فارقة من تاريخ مصر، وهي القضية الطائفية، وفتح الباب لتيارات غريبة للعمل على هدم مصر، ومواجهتهم بمجموعة بيانات تؤكد على الوقوف بقوة أمامهم، دون الوقوف أمامهم في الواقع.

أخيرا الترويج لأن مصر على الطريق للمجاعة والافلاس، وتجريم التظاهر والتعبير عن الرأي بحجة إيقاف عجلة الانتاج. مع العلم بأنه لا توجد عجلة انتاج من الأساس، فاقتصاد مصر هو اقتصاد بالأساس خدمي، ودخل مصر الأساسي للأسف عماده فقط دخل قناة السويس ودخل السياحة، والسياحة لا تتأثر بالمظاهرات بل تتأثر بالمناخ الطائفي الارهابي المسكوت عنه هذه الأيام. كان يوجد بمصر عجلة انتاج ولكن تدميرها حدث بالفعل على مدار عقود عديدة، بداية من تهميش زراعة القطن والقمح الى بيع مؤسسات وشركات مصر الأساسية وتشريد العمال من أجل مصالح رجال أعمال ومسئولين فاسدين لم تبدء محاكمتهم حتى فترة قريبة.

ثورتنا لم تمت، وإن استمر الاصرار على الايحاء بأن الفوضى هي المصير الوحيد، سنصر على أن الثورة هي الرد الأوحد.