السبت، مايو 27، 2006

أبي

كنت أركض بكل ما بوسعي من سرعة، أظن أني لم أركض بمثل هذه السرعة من قبل، ما أن سمعت صوت الطائرات حتى شعرت بما يحدث، فالزعيم يمر من هذا الطريق كل يوم مرتين، مرة في الفجر حيث يكون ذاهباً إلي مكتبه، يباشر عمله حتى وقت متأخر من الليل، ثم ما يلبس عائداً إلى منزله.

بقت ناصيتان، كنت مصمماً على رؤيته مرة أخيرة، لم أتصور يوماً أنه ينام، فالوقت المتبقي بعد عمله وطريق ذهابه وإيابه ضئيل جداً، يبدو أنه كان يدخر كل هذا الوقت لينامه دائماً وأبدا، انضم إلي العديد من الشبان، كان مشهداً مهولاً، الكل يجري؛ نساءً وشيوخاً، أطفالاً وصبيانً وشباباً، الكل يود لو يمسك بيديه الطيارين ويسحقهم، كان الجميع يصيح "أنقذوا الزعيم، إنهم يغتالوا الزعيم".

يبدو أن المصائب والخوف أكبر مصادر للطاقة، حتى الشيوخ تركوا كل ما بيدهم وانطلقوا يركضون، وأصبح الشارع مفروشاً بسجاجيد الصلاة، كانت صلاة الفجر قد انقضت منذ قليل، لم يفكر أحد أن هذه كانت أخر صلاة لهم مع الزعيم، وشعرت بندم ما بعده ندم لتغيبي عن الصلاة اليوم، أرى الطائرات تقترب من الأرض، وللوهلة الأولى شعرت أني أرى من بداخلها، بابتساماتهم التي تشعرك بالرغبة في الموت، كان زعيماً مرهوباً، كأنه كان قد ورث الزعامة أباً عن جد، لم يبخل بوقته في سبيل الوطن، ولن يبخل بحياته في سبيله حتى أخر لحظه من حياته، والتي لم يبق منها سوى لحظات.

حين مات أبي، لم يبخل بأن يوسع في حضنه مكانا لصورة الزعيم بيني أنا وأخواتي، منذ هذه اللحظة وأنا أشعر بأنه صار أبي، ولم أترك في يوم صلاة يكون فيها دون أن أحضرها، لكي أصلي مع أبي، وما كنت لأترك صلاة اليوم بأي حال من الأحوال، ولكن كنت قد استيقظت متأخراً، حين استيقظت ركضت إلى الصالة لكي أرى الساعة، حينها سمعت صوت الطائرات، ولم يأخذ مني الأمر لحظة، حتى كنت مع باقي الناس أجري حيث يتجه الكل، كنت أشعر أني أريد كل السرعة التي جريت بها فيما مضى، كنت أريد أن أسبق الطائرات!

لم تبق سوى ناصية واحدة، دعوت من كل قلبي ألا تضرب الصواريخ الآن، دوى الصوت في أذني بحيث لا أتخيل أن هذا الصوت سوف يفارقني ما بقى من حياتي، فأبي يموت للمرة الثانية، رأيت الطائرات ترتفع لتغادر بعيداً، ثم تكشف لي ما حدث، الآن أقف أمام جثة أبي الثانية، أو بعبارة أدق: أشلاءه، كانوا قد حرقوا الزعيم.

ألقيت أخر نظرة على ما بقى من الزعيم، لم أستطع مواصلة الوقوف، شعرت بالناس خلفي، وبالميت أمامي، كنت أقف بين الحياة والموت..

بعدها لم أر شيئا، حتى الساعة الثانية ظهراً، ثم أفقت، كنت أنام في الشارع، بجانب الحطام، يبدو أن الناس لم ينتبهوا بوجودي، أدركت أني كنت حافي، فلم يكن لدي وقت لارتداء أي شئ، قمت واتجهت إلى البيت، حتى أرتدي شيئاً أودع به الزعيم، وكلي تصميم على أن أصير أباً لأطفال فلسطين عندما أكبر.